سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

246

الإكسير في علم التفسير

والثاني : كقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ، وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ « 1 » فأظهر ذكرهم ذما لهم خصوصا وقد انضم إلى قولهم هذا مبادهتهم به ، وقد تقدم وجه قبحها . النوع الثاني عشر : في التقديم والتأخير من جهة المعنى وقد قدمنا جملة منه في شجاعة العربية « 2 » ، إلا أنه متعلق باللفظ والمعنى جميعا ، وقد كان الأليق ذكر هذا عقيب ذلك ؛ جمعا بين المتناسبين ، إلا أنا تابعنا ابن الأثير في ترتيبه في غالب الكتاب . فمنه تقديم السبب على المسبّب ، نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 3 » فقدموا العبادة ؛ لأنها سبقت حصول الإعانة ، فتقديمها أجدر بتحصيل المقصود من العكس . ولو مدح رجل رجلا ، ثم سأله ، كان أرجى لإجابة سؤاله من تقديم السؤال . ومنه قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً « 4 » فقدّم إحياء الأرض ، لأنه سبب حياة الأنعام والناس ، وقدم إحياء الأنعام ؛ لأنه مما تحيا به الناس بأكل لحومها وألبانها . ومنه تقديم الأعجب فالأعجب : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ « 5 » ولو عكس ، لكان من تقديم الأكثر فالأكثر ، كقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ . وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ « 6 » فهذه الأصناف من الناس في الكثرة والقلة على هذا الترتيب .

--> ( 1 ) سورة سبأ آية 43 . ( 2 ) ص 154 - 170 من هذا الكتاب . ( 3 ) سورة الفاتحة آية 5 . ( 4 ) سورة الفرقان آية 49 . ( 5 ) سورة النور آية 45 . ( 6 ) سورة فاطر آية 32 .